"عمّا قريب، ستختفي كل نبتة وكل ورقة من الحياة. وإن لم تُوقف هذه الوحوش، فقد تلتهم العالم بأسره."مقتطف من The Runes of the Earth لستيفن دونالدسون.
لأول مرة منذ زمن طويل، وجدت نفسي أسير في شوارع المدينة لمسافات طويلة دون وجهة محددة، فقط أواصل السير بلا توقف. كان ذلك على النقيض تمامًا مما كنت عليه من قبل، حين كانت أغلب أيامي تمضي في السرير، مشلولًا بخوف دائم من مواجهة الواقع ومن المجهول الذي قد يحدث بعده. كان العالم الخارجي يبدو لي كأرض غريبة، وكل ما هو جديد أو غير مألوف كان يثير في داخلي قلقًا هائلًا يجعل من المستحيل تقريبًا أن أمارس أي نشاط خارج البيت.عندما خرجت في تلك النزهات الطويلة لأول مرة، شعرت وكأنني أولد من جديد. بدأت ألاحظ الناس والأماكن وحتى أدق التفاصيل وكأنني أراها للمرة الأولى. كان كل إحساس غريبًا ومليئًا بالأسئلة: هل كان الناس ينظرون إليّ فعلًا بدهشة؟ هل كنت أبدو غريبًا بالنسبة لهم؟ هل كانوا يشعرون بالخوف المرسوم على وجهي؟ كنت أمشي بلا هدف، بلا خطة، فقط أراقب ما حولي مثل لافتات المحال والأشجار وتعبيرات وجوه المارة، أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل.
هذه التجربة من العزلة أتاحت لي أن أزرع نوعًا جديدًا من التأمل الداخلي. فالوحدة، رغم قتامتها، فتحت أمامي أبوابًا جديدة للإدراك. جعلتني أدرك قيمة التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أعلم أنها تشغل هذا الحيز في ذهني. وبينما كنت أتأمل كل ذلك، بدأت أشعر بارتباط عميق بالماضي والحاضر وحتى بالمستقبل، كأن الشقوق في الأرصفة والجروح في روحي تتحدث اللغة نفسها. كنت أنا والمدينة ننهض ببطء من جديد، وقد أعادت الخسارات تشكيلنا، لكننا ما زلنا نحمل في داخلنا ذاكرة ما كان يومًا موجودًا.