حيث كانت الأشجار والذكريات والحب يومًا ما…

بواسطة محمد حسن
"عمّا قريب، ستختفي كل نبتة وكل ورقة من الحياة. وإن لم تُوقف هذه الوحوش، فقد تلتهم العالم بأسره."مقتطف من The Runes of the Earth لستيفن دونالدسون.

لأول مرة منذ زمن طويل، وجدت نفسي أسير في شوارع المدينة لمسافات طويلة دون وجهة محددة، فقط أواصل السير بلا توقف. كان ذلك على النقيض تمامًا مما كنت عليه من قبل، حين كانت أغلب أيامي تمضي في السرير، مشلولًا بخوف دائم من مواجهة  الواقع ومن المجهول الذي قد يحدث بعده. كان العالم الخارجي يبدو لي كأرض غريبة، وكل ما هو جديد أو غير مألوف كان يثير في داخلي قلقًا هائلًا يجعل من المستحيل تقريبًا أن أمارس أي نشاط خارج البيت.عندما خرجت في تلك النزهات الطويلة لأول مرة، شعرت وكأنني أولد من جديد. بدأت ألاحظ الناس والأماكن وحتى أدق التفاصيل وكأنني أراها للمرة الأولى. كان كل إحساس غريبًا ومليئًا بالأسئلة: هل كان الناس ينظرون إليّ فعلًا بدهشة؟ هل كنت أبدو غريبًا بالنسبة لهم؟ هل كانوا يشعرون بالخوف المرسوم على وجهي؟ كنت أمشي بلا هدف، بلا خطة، فقط أراقب ما حولي مثل لافتات المحال والأشجار وتعبيرات وجوه المارة، أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل.

هذه التجربة من العزلة أتاحت لي أن أزرع نوعًا جديدًا من التأمل الداخلي. فالوحدة، رغم قتامتها، فتحت أمامي أبوابًا جديدة للإدراك. جعلتني أدرك قيمة التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أعلم أنها تشغل هذا الحيز في ذهني. وبينما كنت أتأمل كل ذلك، بدأت أشعر بارتباط عميق بالماضي والحاضر وحتى بالمستقبل، كأن الشقوق في الأرصفة والجروح في روحي تتحدث اللغة نفسها. كنت أنا والمدينة ننهض ببطء من جديد، وقد أعادت الخسارات تشكيلنا، لكننا ما زلنا نحمل في داخلنا ذاكرة ما كان يومًا موجودًا.
R♥H
محمد الحطيني

أبو مالك

 M ♥ S 
M + N

R + S

M





K + A
الله 

A

BDA 

♥  
وبينما كنت أتجوّل في الشوارع التي جُرّدت من أشجارها ومساحاتها الخضراء، لاحظت شيئًا لافتًا: النقوش التي تركها العشّاق على جذوع الأشجار القديمة لتقع أول نظرة لك أثناء تجوالك في المدينة على رسالة حب.
هذه النقوش والكتابات، سواء على الأشجار أو على الخرسانة التي حلّت محلّ معظمها، كانت ممارسة متوارثة عبر الأجيال من النقوش التي تركها أجدادنا على جدران المعابد وجوانب المباني القديمة، إلى تلك المحفورة على الأشجار أو المرسومة على الجسور والخرسانة.

لكن للمرة الأولى، ربطت بين هذه العلامات وسياق أعمق، إذ بدا لي أن هذا الفعل، أي تشويه المشهد العمراني، مرتبط تدريجيًا بفقدان الطبيعة نفسها. ومع اختفاء المساحات الخضراء، لم يجد العشّاق إلا توثيق مشاعرهم على جدران الخرسانة التي حلّت محلّ الأشجار المقطوعة. وهكذا حدث تدنيس مزدوج: أولًا، الفقد الوحشي للأشجار الذي خلّف أرضًا مليئة بالجراح. وثانيًا، الكتابة على الجدران، كمحاولة غريزية لصنع هوية في مكان فقد كل معنى للألفة والانتماء.
ماحدش هيحبك قد حبي
سحرتني ولا سحرتلي
بعشقك   بحبك
البخت  
(من قلبي بدعي ربنا يقرب لقاك) Haizel   30/1/2021
أول يوم اتكلمنا فيه  ♥ أنا بحبك يسرى  
كل سنة وأنتِ طيبة ♥ شمس ♥  
"Fake it easy, tell me you love me."

ADA

Stop being an ass.

(Khadra)
تكشف هذه الحقيقة عن رؤى متباينة ومتعارضة: فالعشّاق يتوقون لترك أثرٍ دائم، علامةً على رباطهم الأبدي. وحتى بعد أن حَلَّت الخرسانة محلّ الأشجار، ظل هذا الدافع قائمًا، متحوّلًا إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الهادئة ضد اختفاء المساحات المشتركة، وإن كان ذلك على حساب تشويه ملامح المدينة. 

تُدهشني هذه الازدواجية. فمن جهة، تعمل المدينة على نسيان ماضيها، وتمحو ما تبقّى من آثاره. ومن جهة أخرى، تأتي هذه النقوش لتتمرّد على النسيان، رافضةً أن تذوب الذاكرة أو تُمحى. مشروعي يتناول هذا التوتر الدقيق، ليس فقط بوصفه قضية بيئية، بل كمرآةٍ للطريقة التي نسعى بها إلى تخليد وجودنا في عالمٍ يتغيّر باستمرار. من نحت الأسماء على الأشجار إلى كتابة الحب على الخرسانة، هذه العلامات ليست مجرّد أعمال تخريبية، بل شواهد على الوجود، وتذكارات لما فُقِد، وندوب مرئية تُصِرّ على أن تُرى.
Before
After
حين التهم التمساح رئتَيْه

على ضفاف قناة السويس، تقريبًا عند منتصفها، تقع مدينة الإسماعيلية. وهي إحدى محافظات القناة الثلاث، وكانت يومًا ما تُعرف بـ "مدينة الحدائق"، حيث كانت شوارعها المظللة بالأشجار ومساحاتها الخضراء هي ما يمنحها هويتها. لكن المدينة لم تظل كما كانت. فمع مرور الزمن، جرى التخلّي عن ظلالها الخضراء التي كانت تكسو طرقاتها، بذريعة التوسّع العمراني. حَلَّت الجسور والطرق والهياكل الخرسانية الشاهقة محلّ الأشجار الوارفة، وما تبقّى من مساحاتها الخضراء التاريخية التي كانت يومًا رموزًا للجمال والترفيه والذاكرة الثقافية تُرِك ليذبل بصمتٍ تحت وطأة الإهمال.



التمساح وصلته بمدينة الإسماعيلية

قبل أن تُعرف المدينة باسم الإسماعيلية، كان لها اسم آخر مستمَدّ من المياه التي تلامس أطرافها الغربية: "بحيرة التمساح". ومن هذه البحيرة، الغنية بالملح والأسطورة، استمد المكان هويته الأولى. فالتمساح، هو ذلك الحيوان الذي جمع بين الرهبة والتقديس في مصر القديمة، حيث ترك بصمته لا على الطبيعة فحسب، بل على خيال من سكنوا هذه الأرض أيضًا. ومن هنا، كان الاسم الأول: "التمساح"، اسمٌ يعكس سطوة الطبيعة وغموضها.وحين أُسِّست المدينة عام 1863 أثناء حفر قناة السويس، تغيّر اسمها إلى الإسماعيلية، تيمنًا بالخديوي إسماعيل. ومع ذلك، يظل صدى التمساح حاضرًا تحت الاسم الرسمي، كأنما يذكّر بأن جذور المدينة متشابكة بالأسطورة والماء، تمامًا كما هي متصلة بالتاريخ والإمبراطورية.



تاريخ مدينة الحدائق

في ذلك الوقت، كانت المدينة أشبهَ بواحة خضراء في قلب الصحراء؛ إذ زُرعت الأشجار وصُمّمت الحدائق لاستقبال المهندسين والعمّال الأوروبيين المشاركين في حفر قناة السويس. حيث أُنشئت الحدائق الفرنسية على امتداد شوارع واسعة مظلّلة، فأصبحت الإسماعيلية معروفة بكثافة أشجارها وجمالها الباهر. استمر الاهتمام بتنسيق الحدائق وزراعة الأشجار، خصوصًا في الحي الأوروبي خلال فترة الاحتلال البريطاني، ثم الوجود الفرنسي بواسطة شركة قناة السويس. وبحلول خمسينيات القرن الماضي، كانت الإسماعيلية تُعرف في كل مكان بلقبها الشهير: “مدينة الحدائق.


ما بعد تأميم قناة السويس

بعد تأميم القناة عام 1956، ظل الاهتمام بالمدينة قائمًا، لكن التمدّد العمراني بدأ يتغوّل على مساحاتها الخضراء. وبعد حرب أكتوبر عام 1973، أدّت أعمال إعادة الإعمار وتدفّق السكان الجدد إلى موجةٍ كبيرة من النمو العمراني، أُزيلت خلالها الحدائق والأشجار لإفساح المجال أمام المساكن والطرق والمنشآت الجديدة. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ساهم إنشاء الكباري الداخلية في تغيير النسيج الأخضر للمدينة على نحوٍ أعمق.


امتداد المدينة: الكباري والطرق الحديثة


مع مطلع الألفية الجديدة، وبشكلٍ خاص بعد عام 2010، تسارعت وتيرة بناء الكباري والأنفاق لربط الإسماعيلية بمشروع تنمية محور قناة السويس. وجاء هذا التوسع على حساب المساحات الخضراء، خصوصًا على امتداد بحيرة التمساح وعند مداخل المدينة، حيث أُزيلت أجزاء من الحزام الأخضر التاريخي لإقامة منشآت جديدة مثل كوبري السرابيوم وكوبري نمرة 6. وقد تجاوز أثر النمو العمراني المشهد البصري، ليطال التنوّع البيئي نفسه، إذ اختفت تدريجيًا بعض أنواع الطيور والنباتات التي كانت مرتبطة ببساتين المدينة وحدائقها.

إذن، قصة الإسماعيلية ليست فقط عن مجدٍ مضى، بل عن صراعٍ بين الذاكرة والتحديث، بين روح المدينة الطبيعية وضغوط النمو العمراني المتسارع.
"لو ديه النهاية ماكنتش قرأت القصة" HISHAM Hisham M. Lilo
أهلاً بكم في أطلس شعبي. تحتوي صفحات المشروع على عناصر غير متاحة للعرض عبر شاشة الهاتف المحمول. لذا، لضمان حصولك على أفضل تجربة، نوصي باستخدام حاسوبك أو شاشة الكومبيوتر.