عندما تنسى المدينة حرفتها
بواسطة مريم أشرف


في دمياط، المدينة التي تتقاطع فيها الحياة عبر الأزقة الضيقة، حيث تختلط رائحة الخشب بالأمل والخوف معًا، تمتد حكاية أجيال تربّت على حرفة النجارة. هنا، ليست الحرفة مجرد وسيلة للرزق؛ بل هي هوية ومصدر فخر. ومع ارتفاع معدلات البطالة وإغلاق الورش والتي تجاوز عمرها المئة عام، بدأت هذه الهوية تتبدد شيئًا فشيئًا. ما كان يُميّز أهل هذه المنطقة يتلاشى تدريجيًا، مُعرّضًا سبل عيش وأرواحًا كثيرة للخطر.
وفي حين يواجه بعضهم صعوبة في العثور على لقمة العيش، تتفاقم أزمة أعمق، وهي غياب الأمل.
لم تكن النجارة مجرد وظيفة للكثيرين؛ بل كانت ومازالت جزءًا من كيانهم. فهي كل ما عرفوه، وهي التي رسمت ملامحهم وتاريخهم. ولكن عندما تغلق الورش ويغيب العمل، يتحول هذا الفقد إلى أزمة هوية حادة، حيث لا يجد البعض مخرجًا سوى في ظلام الأفكار السوداء، فمعدلات الانتحار بين هؤلاء تتزايد، ليس بسبب قلة المال أو الجوع، بل بسبب فقدانهم جزءًا كبيرًا من أنفسهم.يوثّق هذا المشروع حالة التراجع التجاري الذي يعاني منه تجار الخشب وصنّاع الأثاث في دمياط، وهو التراجع الذي أجبر الكثيرين على إغلاق ورشهم وترك المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. بعضهم اتجه لمهن أخرى، وبعضهم لم يتحمل هذا الفقد، فاضطر بعضهم للانتحار.
يحكي المشروع قصة كيف تحوّل حب الحرفة إلى عبء يهدد الحياة والهوية معًا. يكشف شعورهم المتزايد بالتهميش من المجتمع، وكيف تُركت المهنة التي تناقلتها الأجيال لتموت بصمت. ويسألون: هل يمكن لمدينة أن تنسى حِرَفها؟ إنها قصة مدينة… وقصة حرفة… وهي قصتي أنا أيضًا.
مثل كثيرين وُلدوا في دمياط، كانت أول الأصوات التي أتذكرها في طفولتي هي طرقات المطرقة وطنين المناشير وهي تشق الخشب. رائحة نشارة الخشب والخشب الخام ملأت عالمي. كان ذلك هو المشهد الدائم لطفولتي في بيت أعمامي.
لأكثر من نصف قرن، كانوا في قلب صناعة الأثاث الدمياطي الأسطورية، يتقنون مهارات انتقلت من الأب إلى الابن كأنها إرث ثمين. كانوا هناك عندما كانت دمياط في أوجها تنتج 1% من أثاث العالم الكلاسيكي عبر آلاف الورش. كان عمي الأكبر ليس مجرد نجار؛ بل مصممًا، فنانًا بحق. كان الزبائن يأتون إليه من مختلف المحافظات.

تنحدر عائلة والدي من قرية صغيرة تُسمى “الخياطة”، وهي من القرى الواقعة في شمال محافظة دمياط. كانت وما زالت معروفة بوجود ورش النجارة وورش الدهانات، مما جعلها واحدة من أهم مراكز الحرف في دمياط.

كان عمي الأكبر، محمد، من أوائل من امتهنوا النجارة في الخياطة، وبدأ رحلته بعد حرب 1967. افتتح ورشة صغيرة في منزل جدي وعمل فيها لسبع سنوات. كان يحمل الألواح على كتفه ويقود دراجته مسافات طويلة من وسط المدينة إلى القرية. ولأن القرية لم تكن مجهّزة بالماكينات اللازمة وقتها، اضطر لاحقًا إلى نقل ورشته إلى قلب دمياط.

كان يحب النجارة بصدق، يسكب شغفه في كل قطعة. بدأ وحده، لا عمال، ولا آلات. ومع الوقت، اكتسب سمعة قوية في إنتاج غرف المعيشة والسفر. ظل في المهنة نحو عشرين عامًا ثم اتجه لتجارة الأخشاب إلى أن توفي.
انتقلت الحرفة بعده لأعمامي الآخرين. في ذلك الوقت، كان من يتعلم صنعة دمياط يضمن لقمة عيش، ومن يتقنها تجذب بضاعته زبائن من كل أنحاء مصر. أما عمي الأصغر، شاكر، فبدأ العمل في الورشة وهو بعمر الثانية عشرة، يتعلم على يد عمي الأوسط، حسين. افتتح ورشته الخاصة عام 1987 وسرعان ما أصبح مقصداً للزبائن من مختلف المحافظات، كما تقول عمتي عفاف:
“عمك كنت بلاقيه داخل علينا بناس جايين من محافظات تانية،.كنا نغديهم ونبيتهم عندنا علشان ميسافروش بليل… بيتنا كان مفتوح لأي حد.”


What truly sets Damietta apart is its mastery of “aiwma”,
the intricate art of wood carving and ornamentation.
يعتبر فن الأويما واحدا من أكثر الحرف التقليدية دِقّة، ويعتمد على النحت والحفر على الخشب. وهو من أقدم الأشكال الفنية التي ازدهرت عبر العصور، وتعود جذوره إلى الحضارتين الفرعونية والإسلامية. يتميز هذا الفن بالدقة والمهارة العالية، حيث ينقش الحرفيون الزخارف النباتية والهندسية إلى جانب الأنماط المعمارية والفنية، مما يحوّل كل قطعة خشبية إلى عمل فني فريد.

لأجيال طويلة، لم تعرف دمياط معنى البطالة حتى بداية هذا العقد. لطالما كانت موطنًا لحوالي 90 ألف ورشة أثاث، وكانت المحافظة الأولى في مصر في إنتاج الأثاث وتصديره. وكانت تساهم بما يقارب 1% من الإنتاج العالمي للأثاث الكلاسيكي. أما اليوم، فأصبحت مدينة أشباح بعد غلق معظم الورش، التي كان عمر بعضها يتجاوز 100 عام. وفي عام 2020 أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء تقرير يعلن عن تصدر محافظة دمياط لمعدلات البطالة علي مستوي الجمهورية.
و مع تراجع صناعة الأثاث، اضطر الحرفيون لترك المهنة التي عرفوها لعقود. بقيت بعض الورش فقط، وقد تحدثت مع بعض أصحابها:


التوأمان مصطفى ومحمد الخضري عملا في محلات دمياط منذ أن كانا في الثامنة من عمرهما. من بين تسعة أشقاء، تدرّبوا جميعا على هذه الحرفة، هما الوحيدان اللذان بقيا في العمل، ومحافظين على محلاتهم مفتوحة.
أصبحت الإصابات جزءًا من الحياة اليومية


أثناء تجوالي في شوارع المحافظة ، لم أمر بشارعٍ واحدٍ يخلو من رجالٍ فقدوا إصبعًا أو أكثر من أصابعهم، إن لم تكن اليد كاملة. لقد أصبحت هذه الإصابات جزءًا من حياتهم اليومية، مألوفة للعيون .. حتي عرف أبناء المحافظة ب ( ضحايا المناشير ) بعد إدخال الماكينات الحديثة في النجارة وصناعة الأثاث تحوّلت تلك الماكينات من أدوات للرزق إلى مصدر دائم للخطر حيث تشير التقديرات الي ان نحو 15 ألف صانع في دمياط يعانون من بتر أطرافهم بسبب تهالك الآلات مثل "الحلايا" و"المنشار الكهربائي"، فأصبحت هذه الإصابات تشكل ظاهرة عامة بين هؤلاء الحرفيين ومع ذلك يظل أغلبهم خارج مظلة التأمين دون أي تعويض يُذكر من أصحاب الورش أو المصانع وما يزيد من معاناتهم هو عدم وجود مستشفى متخصص لعلاج مثل هذه الإصابات فمعظمهم تفاقمت اصابته حتي لم يعد باستطاعته ممارسة حياته بشكل طبيعي مرة اخري.


خلال مقابلاتي مع أصحاب الورش المتبقين، سمعت كثيرًا من المقترحات. البعض تحدث عن ضرورة تخفيض الضرائب على المواد الخام التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني بسبب التضخم. آخرون طالبوا بدعم حكومي للمشروعات الصغيرة كي تتمكن من منافسة الشركات الكبرى التي تهيمن على سوق الأثاث المحلي. كثيرون تمنّوا وجود فرص للتصدير أو على الأقل الحد من الاستيراد. من الخارج، قد يبدو الحل في تحديث أساليب العرض والتسويق، فتح معارض منظمة في مختلف المحافظات لعرض منتجاتهم وبيعها.

اصبح الانتحار خبرا معتادا علي مسامع أهالي المحافظة فالسنوات الأخيرة فبعد غلق 80% من الورش وتسريح الالاف من العمال تزايدت حالاات الانتحار مشتركين معظمهم ف طريقة انهائهم لحياتهم ..حيث يقومون ب القاء انفسهم من اعلي اكبر كوبري فالمحافظة تاركين ورائهم بطاقتهم الشخصية و حذائهم هذه الحوادث ليست مجرد ارقام بل أجراس انذار صاخبة تشير ان الازمة لم تعد مادية فقط .. بل نفسية واجتماعية أيضا هؤلاء الذين اعتادوا التعامل مع الخشب وتشكيله... باتوا الان ف امس الحاجة لمن يقدم لهم ايد المساعده.

لكن… لم تُطرح أي من هذه الأفكار بروح أمل. كان الجميع يتحدث بنبرة انكسار، وكأن اليأس يملأ الأزقة الضيقة. شعور يشبه الاكتئاب الجماعي.









