

يوميات حديثة لآدم و حواء
حواء العزيزة،
لقد قرأت رسالتك وسط الصمت الذي يغمر شط بورسعيد، شعرت أن المسافة بيننا لم تكن مجرد شوارع أو مدن تفصلنا. إنها، كما قلتِ، فوضى القاهرة التي تشبه عاصفة لا تنتهي، مقابل هدوء مدينتي الذي يحمل في طياته انتظارًا لا اعرف متى ينتهي.
بورسعيد ليست كالقاهرة، مدينتي هادئة، كما لو كانت تنتظر دائمًا، هي مدينة مليئة بالغموض، تخفي أكثر مما تظهر، وعلى وجوه أهلها ترتسم علامات من التقلبات التي تراكمت على مر الزمن. المدينة، قد صارت أسوأ مما كانت عليه. تتحرك ببطء..
بينما تسقطين وسط ضجيج القاهرة أنا هنا، في مدينة أشبه بظل باهت، ربما أبدو كالغريب، لا أملك سوى تبادل الابتسامات مع العابرين، دون أن أترك أثرًا في المكان.
في بعض الأيام، أمشي على الكورنيش، أتأمل البحر الذي يبدو بلا نهاية، وأسأل نفسي: متى سنتشارك هذا المشهد؟ ميناء بورسعيد ليس كأي ميناء آخر. هو بوابة لكل ما هو بعيد، ونافذة على كل ما ننتظر. لكن ربما ليس البحر هو من ينتظر السفن، بل السفن هي التي تنتظر الإذن بالمغادرة. أحيانًا أشعر أنني مثل تلك السفن!
القاهرة تسلبك الراحة، هذا صحيح. لكن بورسعيد؟ إنها تمنحني وهم الراحة، وتغرقني في صمتها. أشعر أحيانًا أنني أسير في شوارعها كأنني أبحث عن شيء لا أعرفه، وأحيانًا، أجد نفسي أفكر فيكِ. كيف تتأملينني وأنا هنا في هذه المدينة التي لا تليق بي؟
أشعر بأنني على وشك السقوط، لكن ليس بنفس الطريقة. سقوطك كان في مدينة مليئة بالحياة، أما أنا، سقوطي في مدينة ترفض أن تمنحني معنى. مثل تلك المدن التي تخنق الغرباء والموتى دون أن تعرف الفرق بينهما. المدينة تلتهمني بصمتها كما تلتهمكِ القاهرة بفوضاها. نحن بين مدينتين، بين حياتين، ولكننا نتشارك الإنتظار نفسه.
سأظل أترقب يوم ألحق بكِ في مدينتك. فقط انتظريني، فرغم كل شيء، أعرف أننا سنلتقي
!مع حبي،
آدم في انتظار السقوط، بورسعيد
%202.png)









لطالما اعتقد ُت أنني أمتلك قدرة غريبة ًعلى التأقلم، لكنها كانت شيئا ً آخر تماما.عندما زرتها لأول مرة، شعر ُت وكأنني دخلت متاهة عملاقة، مدينة تبتلعك وتعيد تشكيلك دون أن تسألك إن كنت ترغب في ذلك أم لا. كنت أملك رفاهية الصمت، أما هنا، فحتى أفكاري كانت تزاحمها أصوات السيارات.
ليس بالطريقة التي تسقط فيها النجوم أو تظهر بها المذنبات، بل برسالة إلكترونية بسيطة، أرسلتها وكأنها تلقي حجرًا في بركة راكدة. “مرحًبا، سمعت أنك تجيد الاستماع.” تبدو وكأنها جزء أصيل من هذه الفوضى، تتنفسها كما أتنفس أنا هواء البحر، في البداية،ظننت أنها تتحدث كثيًرا لأنها تحب الحديث. لكن لاحقا، أدركت أنها تخشى أن يضيع صوتها وسط الضوضاء، أن تصبح مجرد وجه آخر في الزحام!
يدها التي تحكم قبضتها على تذكرة السينما وكأنها مفتاح لشيء أعمق. لم يكن اختيارها للفيلم متوقع، لكنني لم أسأل. دخلنا القاعة، وجلست أراقبها. عتمة السينما أظهرت ملامحها بوضوح لم أعهده في ضوء النهار. التوتر الذي حاولت إخفاءه، أصابعها التي قبضت على ذراعي كما لو كنت المنقذ.
لم تكن تراقب الفيلم، كانت تحاول ألا تنكشف أمامي. وأنا، كنت أحاول ألا أبدو كمن يرى كل شيء. كان هناك شيء مثير للسخرية في الأمر نحن نجلس في فيلم رعب، لكن أكثر الأشياء التي كانت تخيفنا لم تكن على الشاشة!
كنت اعرف الأماكن التي تختبئ في ظلال المدينة الكبيرة. ذات يوم، اقترحت أن نذهب إلى مكان لن يكون موجود قري ًبا! ً “لماذا هذا المكان تحديدا؟” سألتني “لأنه لن يكون موجو ًدا بعد فترة وأنا أكره أن ُتمحى الأماكن دون أن يذكرها أحد.”
عندما وصلنا، شعرت أننا دخلنا فجأة إلى جزء من القاهرة لا ينتمي إلى المدينة التي كنت أعرفها. الأشجار العالية، الممرات القديمة، الًمقاعد الخشبية التي تبدو وكأنها تحمل هموم العشاق منذ عقود. لم يكن المكان مزدحما، وكأن الناس قد نسيته عمدا، أو ربما لم يكن يعرف بوجوده أحد غيرها. مشينا بين الأشجار كأننا نحاول أن نحفظ تفاصيل المكان في ذاكرتنا.التقطت بعض الصور ،رغم أني كنت أعلم أن الصورة لن تحفظ رائحة المكان أو ملمس المقاعد الباردة
عندما وصلنا، شعرت أننا دخلنا فجأة إلى جزء من القاهرة لا ينتمي إلى المدينة التي كنت أعرفها. الأشجار العالية، الممرات القديمة، الًمقاعد الخشبية التي تبدو وكأنها تحمل هموم العشاق منذ عقود. لم يكن المكان مزدحما، وكأن الناس قد نسيته عمدا، أو ربما لم يكن يعرف بوجوده أحد غيرها. مشينا بين الأشجار كأننا نحاول أن نحفظ تفاصيل المكان في ذاكرتنا.التقطت بعض الصور ،رغم أني كنت أعلم أن الصورة لن تحفظ رائحة المكان أو ملمس المقاعد الباردة
في لحظة صمت، نظرت إليها، وقلت: “بتحبي الأرشيف؟!”
قالت بابتسامة. “اه وأنت ًبتحب تهرب من الماضي.”



الأن أعود إلي المدينة، دون إحتمالية لربما جديدة!
ليست نيويورك. بالتأكيد لن تكون لندن. هذة المدن
لاتشبه جمال بورسعيد..

استقبلتني المراكب بصوت هائم لميادة الحناوي “أنا الحب اللي كان! اللي نسيته قوام من قبل الأوان” لم أشم رائحة الكبدة التي تطهي بثوم بايظ في مطاعم القاهرة!! أعطيت السائق العبيط٣٠جنيها .. أجرة مضاعفة، رد بحب مضاعف، وأنا مبتسم.

ربما لأننى مغرم بعالم المنسيين، أو ربما لأننا نعيش عمرنا كله، محاولين نقش ذاكرة تخصنا على أرض بلا ذاكرة، حاولت أن أبدد غيابي بحضورهم وحضوري بالكاميرة!


مع كل رجوع لبورسعيد، ينمحي آثر! المدينة تفقد شكلها مرة تلو الآخرى.. أخاف النسيان،لأن المدينة دائما فيتغير!

ترك ماضيه هنا؛ ربما أرشيف من الحنين والرسائل التي حاولت تقصير المسافات،لكن زاده القرب ألما.

أنت أكثر من يعرفني..وأنا أكثر رجل وقف بمنتصف مخيلتك، كأنه طريقك الوحيد! تحرصين علي فتح أبواب الخيال، بينما أحاول ترويضها بالمنطق؛ وهو أكثر ما تكرهين.. تحدثيني عن ضرورة الحب، بينما أتكلم عن الحرب!

تغضب كعاصفة، لكن في الوقت نفسه ملائمة لغصن شجرة!

الاشياء الجميلة مش هتحاول تلفت انتباهك.. لازم تدور عليه!

لم تكن مدينتي صافية بما يكفي لإدراك طموحي، ولم تكن شمس القاهرة رحيمه لتترك أحلامنا تصارع البقاء! تمنيت إنهاء سفري والمجيء إليك ،لكنه بيني وبين الوصول، بيني وبين الحصول، بيني وبين ذراعيك، بيني وبين العالم الذي يقف منتظرا خلف أبواب بورسعيد.

مع مرور الأيام، بدأنا نشعر أن كل لقاء هو مجرد استراحة قصيرة من المسافة الطويلة بيننا. بورسعيد كانت مدينة تغرق في صمتها، والقاهرة كانت مدينة تصرخ طوال الوقت، وكنا نحاول أن نجد نقطة توازن وسط كل هذا.
بدأنا في توثيق علاقتنا. الصور، التسجيلات الصوتية، الرسائل الطويلة. كنا نحاول أن نبني لأنفسنا أرشيفا شخصيا، كأننا نقاوم النسيان قبل أن يبدأ. كنت ألتقط صوًرا لمقاعد السينما الفارغة بعد مغادرتنا، وكانت بسمة تسجل لنا مقاطع صوتية من شوارع القاهرةالمزدحمة، وكأنها ترسل ليجز ًءامنعالمها.. لكن المسافة، كماتفعل دائما،بدأت تتسلل بيننا!


النتيجة..
أرض محايدة، يقف عليها كلانا؛ قاسية وصلبة،لا يجرفها
بحر! لا يرويها نهر!
آدم،
أكتب إليك من قلب القاهرة، مدينة لا تليق بالغرباء المجهولين او الموتي. هنا، حيث سقطت قبل أن تلحق بي، تبدو المدينة وكأنها سجن شيده الشيطان، مصممة خصي ًصا لتضيع بين أروقتها الرغبات والآمال. القاهرة لا تنتظر أحد، ولا تمنح فرصة للراحة.
لقد سقطت هنا، وسط زحام لا يهدأ، أهلها يتنفسون الفوضى، وكل زاوية فيها تخفي وجها آخر للعالم. بعضهم يقول إن هذه المدينة تلهم العشق، والبعض الآخر يؤكد أنها تلهم الجنون.
وأنا؟ أنا أشعر أحيا ًنا أنني أصبحت جز ًءا من هذه المتاهة، تائهة بين صخب الشوارع وهدوء قلوب التي لا تبوح بشيء. كنت اتساءل كيف يمكنني البقاء هنا؟ كيف أتحمل كل هذا الجنون؟ الحقيقة هي أنني لست متأكدة. المدينة لا تمنحك إجابات، إنها فقط ترمي بك في خضمها وتدعك تبحث عن معنى في فوضاها. هنا، ليس هناك مكان للتفكير، ليس هناك وقت لتأمل ما نمر به. كل شيء يتحرك بسرعة، وأنا عالقة بين الأصوات التي لا تهدأ، وبين فكرة الإنتظار . لا توجد مشاعر ثابتة.
هنا، تجد الحب والخوف والكراهية مجتمعين في قلب واحد.، وأنا أتجول بين كل تلك العواطف المتداخلة، أفكر فيك، كيف لك أن تنتظرني هناك، في مدينة البحر والهدوء، بينما أسقط هنا في عاصفة لا تهدأ؟ آدم،سقطت قبلك،لكنني مازلت هنا،أنتظرك أتساءل كيف سيكون حالك حين تصل؟هل ستجد نفسك قادًرا على تحمل القاهرة،أم ستنتهي مثلي،تائها بين طرقها الملتوية التي تقود إلى كل مكان؟ حتى ذلك الحين، سأظل هنا، أتعلم كيف أعيش وسط هذا الجنون، وأنتظر سقوطك جانبي.
مع حبي، ً حواء التي سقطت أولا، القاهرة
%202.png)







في أحد الأيام، وجدت نفسي أتحدث مع رجل لا يشبه قصص الحب التي قرأتها في صغري. لم يكن أمير ًا، لم يكن محاربا، ولم يكن فتى ضائعا يبحث عن نفسه في كتب الفلسفية. كان فارس. شاب من مدينة تطل على البحر، يشبه السفن التي تصل متأخرة، لكنها تصل على أي حال. كان يعتقد أنني مثل القاهرة: مدينة مزدحمة، خانقة، لا تتوقف عن الحركة. لكنه لم يدرك أنني كنت أحاول الهرب منها منذ سنوات، ولم أجد بعد المدينة التي تشبهني.
كنا نتبادل الرسائل و كأننا نصنع خريطة سرية لحياة لا يمكن أن نعيشها في الواقع. كان يخبرني أن البحر يمنح الأجوبة، وكنت أخبره أن القاهرة لاتطرح الأسئلة أصلا.كان يقول إنه يحب الصمت، وكنت أخبره أنني لم أسمع صوتي في المدينة منذ سنوات!
عندما ظهر أخي ًرا، بدا وكأنه خرج للتو من رواية لا تزال تكتب. وقف أمامي، متردد، مبتسم نصف ابتسامة كأنها اعتذار ضمني عن كل الفوضى التي ستحدث لاح ًقا. لم يكن كما تخيلته، لكنه كان تما ًما كما كتب في رسائله. المشكلة في اللقاءات الأولى أنها لا تتبع قواعد الرسائل. لا يمكنك حذف جملة وإعادة كتابتها، لا يمكنك التفكير عشر دقائق قبل الرد، ولا يمكنك أن تخفي توترك خلف شاشة. لكننا فعلنا ما يجيده الغرباء تكلمنا كثيرا، و كأننا نحاول أن نثبت لأنفسنا أن هذه اللحظة حقيقية
كان يجب أن يكون لقاءنا الأول في مكان كلاسيكي، مقهى هادئ أو ممشى طويل بجانب النيل. لكنني بكل عبقرية قررت أن أفضل طريقة لكسر الجليد هي مشاهدة فيلم رعب. لا أعرف لماذا فكرت أن مشاهدة فيلم رعب ستكون فكرة جيدة، لكنني الآن أجلس في الظلام، و أتظاهر أنني لست خائفة بينما كل جزء في داخلي يصرخ، فارس كان مستمتع، وكأن الفيلم عن حياة الطيور.
عندما انتهى الفيلم، خرجنا إلى الشارع. القاهرة كانت مزدحمة، كما لو أن المدينة نفسها لم تشاهد ما رأيناه.
لكن قبل أن يأتي هذا اللقاء، كان عل ّي أن أنهي ً يومي في الجحيم أو كما ُيطلق عليه رسميا “العمل”.
أنا مديرة علاقات عامة في بنك، وهذه مجرد جملة أنيقة تخفي وراءها حقيقة بشعة: أنني أقضي معظم وقتي في ترتيب كلمات منمقة لإرضاء أشخاص لا أعرفهم، وأحياًنا لا أطيقهم. عملي يشبه طلاء الجدران المتشققة، كل شيء يبدو مثالًيا من الخارج، لكنه هش من الداخل، كل صباح، أرتدي ملابسي الرسمية، وأدخل مكتًبا مكيًفا يسرق مني كل إحساس بالحياة!
لكن قبل أن يأتي هذا اللقاء، كان عل ّي أن أنهي ً يومي في الجحيم أو كما ُيطلق عليه رسميا “العمل”.
أنا مديرة علاقات عامة في بنك، وهذه مجرد جملة أنيقة تخفي وراءها حقيقة بشعة: أنني أقضي معظم وقتي في ترتيب كلمات منمقة لإرضاء أشخاص لا أعرفهم، وأحياًنا لا أطيقهم. عملي يشبه طلاء الجدران المتشققة، كل شيء يبدو مثالًيا من الخارج، لكنه هش من الداخل، كل صباح، أرتدي ملابسي الرسمية، وأدخل مكتًبا مكيًفا يسرق مني كل إحساس بالحياة!
بحس اني بمشي عكس الناس ،الناس كلها رايحة وانا راجعة ، وعلى الرغم من الزحمة الا اني بحس اني وحيده وتايهة. القاهره مدينة اسمنتية ، كأنك محبوس جوه قالب، على الرغم من الفرص واختلاف ثقافاتها وشكل ناسها، لازم يبقي عندك الحد الادني من مهارات النجاة! والا هتتفرم مع السرعة والزحمة ... ناس بتخبط فيك طول الوقت.

مكا ًنا معا، أترك خلفي شيئ صغير، تذكرة سينما، صورة غير واضحة، رسالة صوتية لم أرسلها.
كُنت أخاف أن تصبح علاقتنا مجرد أرشيف جميل لحب لم ينج من المسافة.
لكننا لم نكن مجرد قصة تحفظ في صندوق ذكريات. كنا نحاول، بطرقنا الصغيرة، أن نهزم المدن التي تبعدنا،
أن نحول كل صورة، كل صوت، إلى دليل على أننا كنا هنا،معا، ولو للحظة واحده.


عندما زرت بورسعيد لأول مرة، كنت أتوقع مدينة صاخبة، مليئة بالحكايات.
لكنها كانت عكس ذلك تما ًما هادئة لدرجة مخيفة، كأنها توقفت عن
الحديث منذ زمن طويل. “لماذا تبدو هذه المدينة وكأنها تنتظر شي ًئا لن
يأتي؟” سألت فارس، ونحن نمشي على الكورنيش، بينما كانت المراكب تلمع
في البحر.
“لأنها فع ًلا كذلك.” قال وهو يبتسم. “كل شيء هنا يتغير ببطء شديد، كأن
البحر يراقب ولا يتدخل.”

أخبرني أن الناس هنا يشبهون الميناء دائ ًما في حالة ترقب، دائ ًما ينتظرون سفينة ما، فرصة ما، بداية جديدة قد تأتي من أي مكان في العالم. لكنني كنت أرى الأمر بطريقة مختلفة. “أنا أعتقد أنها تخاف التغيير.”
هو كان يرى أنني جزء من فوضى القاهرة، وأنا كنت أراه جز ًءا من صمت البحر. كنا نرى بعضنا كما نرى مدننا، لكن في كل مرة كنا نحاول أن نقترب، كن ُت أشعر أن المسافة بيننا أكبر من مجرد طريق سريع يربط المدينتين. كان البحر يعكس صمته في آدم، وكان الزحام يسكنني. وربما لهذا السبب، كنا دائ ًما نبحث عن نقطة التقاء، مكان لا يخصني ًبالكامل، ولا يخصه بالكامل، لكنه يخصنا معا!

هل ترى أصابعي مصبوغة بغيابك!

وعدت أشباحي أن أصافحهم، كلما شعرت يدي وقلبي بالوحدة!

بدأ كل شيء يأخذ منحى مختلفا. لم تعد الرسائل كافية. لم يعد البحر يجدي نفعا. كناً نعيش في مدينتين، لكننا نحاول أن نصنع عالما ثالثا بينهما.ثم جاء السؤال الذي لم نرغب في طرحه.
“والآن؟”
هناك نوع من الحكايات لا ينتهي، بل يتكرر بطرق مختلفة، يختبئ في رسائل جديدة، في لقاءات متأخرة، في محطات القطارات والموانئ التي لم نزرها بعد. لا أعرف ما الذي سيحدث لاحقًا، لكنني أعلم أن هناك رسالة أخرى س ُتكتب، وربما هذه المرة، لن تكون نهاية القصة
لم تكن المسافة مجرد طريق طويل يفصل بين مدينتين، بل كانت ظل يتسلل بين الكلمات، يختبئ في الصمت الذي امتد أكثر مما ينبغي، يسرق التفاصيل الصغيرة حتى لم يبق شيء يقال.
في البداية، حاولنا أن نكتب الحب، أن نوثقه، أن نحوله إلى أرشيف مقاوم للغياب. الصور، الرسائل، التسجيلات، كلها كانت محاولات لإنقاذ شيء يتآكل ببطء. لكن الأرشيف لا ينقذ اللحظة، بل يحفظها فقط كما كانت ساكنة، مجمدة، بعيدة عن الحياة.
في النهاية، لم يكن هناك وداع كبير، ولا مشهد درامي أخير. لم يكن هناك قرار واضح، ولا كلمة “انتهينا” تُقال بصوت مسموع. فقط توقفت الرسائل عن الوصول، توقفت العيون عن البحث في الزحام، توقفت المدن عن التشابه.
وهكذا، اختفى آدم في مدينته، واختفت حواء في مدينتها، ولم يتبق سوى ذاكرة، صورة عابرة، أو رسالة قديمة ربما لن تُفتح مجددً ا.
وهذا هو شكل النهايات الحقيقية.